المشي والشمس: استعادة ما نهبته الحداثة من صحتنا

 

نستيقظ على رنين الهاتف الذكي ،نتفقد بريدنا الالكتروني .نقضي معظم ساعاتنا جالسين خلف المكتب غارقين في الشاشات الزرقاء ومكالمات الفيديو المستمرة ، نعتمد في طعامنا على الوجبات السريعة وقهوة الصباح الجاهزة 
نتسوق وراء الشاشات والتكنولوجيا أصبحت محاطة بنا بكل جوانب حياتنا لتجعلها أسهل و أبسط 
هذا هو نمط الحياة المعاصر الذي نعيشه يومياً؛ إنها ضريبة الحداثة التي جعلتنا نحرم أنفسنا من أهم مقومات الحياة في العالم : المشي والشمس 
الشمس في فصل الربيع



قد نستهين بها أو لا ندرك أهميتها، لكن الحقيقة تثبت عكس ذلك تماماً؛ فهي تؤثر في حياتنا تأثيراً كبيراً. نحن اليوم محرومون من نعم بسيطة لكنها ثمينة، كالمشي في الهواء الطلق والتعرض لأشعة الشمس، وذلك بسبب هيمنة التكنولوجيا على تفاصيل يومنا، ونمط الحياة العصرية الذي سرق منا الوقت والمساحة لها 


تعد أشعة الشمس مصدراً حيوياً لا غنى عنها لصحة الإنسان، إذ تمتد فوائدها لتشمل مختلف أجهزة الجسم، وفيما يلي أبرزها:

  1. تحفز أشعة الشمس إنتاج فيتامين (د) في الجسم، الذي يلعب دوراً محورياً في امتصاص الكالسيوم من الطعام، مما يقوي العظام ويقي من الكسور وهشاشة العظام. كما يعتقد العلماء أن التعرض المنتظم للشمس يساهم في تخفيف آلام التهاب المفاصل.
  2. .تعمل أشعة الشمس على تقوية جهاز المناعة عبر تحفيز إنتاج خلايا الدم البيضاء المسؤولة عن مقاومة الأمراض، كما أنها تساهم في القضاء على بعض أنواع البكتيريا الضارة. وقد أثبتت الدراسات أن التعرض الكافي لها يقي من أنواع معينة من السرطانات، إضافة إلى خفض نسبة الكوليسترول الضار، والوقاية من داء السكري.
  3. .تشير الأبحاث إلى أن لأشعة الشمس دوراً وقائياً ضد مرض الزهايمر ، مما يحافظ على صحة الدماغ مع التقدم في العمر.
  4. كما يساعد التعرض لمدة ساعة واحدة في الصباح الباكر لأشعة الشمس على النوم خلال الليل بشكل أفضل، حيث تنظم إيقاع الساعة البيولوجية للجسم، عن طريق إخباره بموعد زيادة مستويات الميلاتونين وتقليلها.
  5. .لا تقتصر الفائدة على الجانب الجسدي فحسب، بل تمتد لتشمل الصحة النفسية؛ إذ يعمل التعرض للشمس على زيادة إفراز هرمون السيروتونين، المعروف بـ"هرمون السعادة"، مما يقي من الاكتئاب ويعالجه، ويحد من تقلبات المزاج واضطراباته، ويعزز الشعور بالرضا والاستقرار النفسي. و هذا الأثر الإيجابي  يتضاعف عند ممارسة التمارين الرياضية.

أما المشي ، يعتبر من الأنشطة البدنية السهلة والبسيطة والأقل تكلفة ويمكن ممارسة هذه الرياضة في أي وقت وأي مكان، لا تقتصر على عمر معين، ولا تحتاج أي معدات او مهارات خاصة، ورغم بساطتها فهي تعتبر من من الممارسات المهمة التي لها فوائد عديدة : 
. أثناء المشي تتحرك عضلات الجسم بالاضافة الى انها تزيد من تدفق الدم إلى جميع أعضائه.

.يعتبر من أقوى التمارين الداعمة للقلب حيث يسهم في خفض معدل ضربات القلب أثناء الراحة، وتقليل ضغط الدم، والحد من مستويات الكوليسترول الضار (LDL).

.يساعد المشي العضلات على استخدام الغلوكوز بكفاءة أكبر، مما يسهم في الحفاظ على استقرار مستويات السكر في الدم على مدار اليوم. وهذا يقي من التقلبات الحادة التي تسبب التعب والعطش بعد الوجبات، ويساعد في إدارة مرض السكري أو تجنبه تماماً.

. أداة ذكية لمن يعانون من ثبات الوزن رغم تقليل الطعام، إذ يُنشط التمثيل الغذائي ويُعزز حرق الدهون، والأهم أنه يضعف الرغبة الملحة بتناول السكريات والوجبات السريعة، وقد أثبتت الدراسات أن هذه الرغبة تنخفض بشكل ملحوظ أثناء المشي ولمدة عشر دقائق بعده، فيكون بذلك حليفاً مزدوجاً في مسيرة التنحيف.

.في خضم ضغوط الحياة اليومية،ونمط الحياة الذي نعيشه يمنح المشي فرصة حقيقية لتصفية الذهن. فهو يحفز إفراز هرمون الإندورفين المسؤول عن الشعور بالسعادة، ويخفض مستويات هرمونات التوتر، مما يساعدك على التفكير بهدوء وإيجاد حلول أكثر اتزاناً للمشكلات. 

. يعمل المشي على تقوية العضلات وخصوصاً عضلات الساقين والجذع ، ويحسن من تناسق الجسم وتوازنه، مما يقلل من خطر السقوط والإصابات مع التقدم في العمر.

.يحسن تدفق الدم لمناطق الذاكرة والتركيز، ويرتبط بانخفاض خطر الخرف والتدهور المعرفي المرتبط بالعمر.

.تعزيز المناعة والوقاية من السرطان فهو ينشط الدورة الدموية والأجسام المضادة، ويقلل التوتر. وممارسته ساعتين إلى خمس ساعات  أسبوعياً تخفض خطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان.

.يغذي الغضاريف ويساعد على توزيع السائل الزلالي، مما يحافظ على مرونة المفاصل ويقوي عضلاتها ويقي من هشاشة العظام.

. يمنح نوماً أعمق وأكثر راحة، مما يساعد الجسم والعقل على التعافي التام لبدء اليوم بنشاط.

لكن هل المكان مهم ؟ 

توصلت دراسة حديثة إلى أن المشي في أحضان الطبيعة يعزز الصحة البدنية والعقلية ويقلل من الضغط ويعيد التركيز ،لكن ويتني فليمينغ الباحثة في مجال علم النفس المتعلق بالبيئة بجامعة بانغور في ويلز،كان لها رأي آخر: " معظم المدن بها مساحات خضراء. وبغض النظر عن المكان الذي يتواجد فيه المرء يمكنه العثور على شجرة جميلة"

لقد تحدثنا عن كنوز المشي وعن بركات الشمس، فماذا لو اجتمعا معاً؟ ستجعل من هذه التجربة متعة صحية لا تقاوم ولتحقيق أقصى استفادة من المشي تحت الشمس دون التعرض لأي ضرر، ينصح باتباع الإرشادات ، وأولها اختيار الأوقات المعتدلة كالصباح الباكر أو قبل الغروب، مع تجنب فترات الظهيرة الحارة تماماً للوقاية من ضربات الشمس والجفاف، إلى جانب حماية العين والجلد بارتداء نظارة شمسية واستخدام واقٍ مناسب، وأخيراً عدم نسيان ترطيب الجسم بشرب كميات كافية من الماء قبل وأثناء وبعد المشي.

وهكذا، يتجلى لنا أن المشي واذا كانت مترافقة مع الشمس ليس مجرد نشاط بدني عابر، بل استثمار في صحتنا الجسدية والنفسية معاً. وبين يدينا هذه الفوائد الجمة، لا يبقى إلا أن نتخذ القرار ونجعل من هذه الممارسة عادة يومية راسخة، ولكن هذا يستوجب منا وعياً أكبر وحذراً أشمل لأننا في زمن تشهد فيه درجات الحرارة ارتفاعاً غير مسبوق بسبب التغيرات المناخية.
والآن، ما رأيك أن تبدأ غداً بخطوة واحدة؟
اضبط منبهك قبل موعد عملك بـ 20 دقيقة فقط، واخرج تحت ضوء الشمس. لا تنتظر المناسبات أو عطلات نهاية الأسبوع. جرب هذا التحدي البسيط لمدة سبعة أيام، وسترى كيف يعيد لجسدك مرونته، ولعقلك صفاءه، ولروحك سكينتها. الصحة ليست رفاهية، بل قرار تتخذه اليوم، قبل أن تخطفه الشاشات منك غداً

عبد الكريم المكاوي
عبد الكريم المكاوي
Comments